المهندس الزراعي "الياس خولي"عضو لجنة البرنامج التنفيذي لتطبيق نظام الزراعة الحافظة، عرف لنا الزراعة بلا فلاحة "الزراعة الحافظة": بأنها تلك الزراعة التي تعتمد على ثلاث ركائز أساسية يتم من خلالها محاكاة النظم الطبيعية للغابات والمراعي وهي

1-البذر المباشر، أو الزراعة بدون حرث، أي تتم زراعة البذور دون فلاحة مسبقة للأرض، أو تحضير مهد للبذور.
2-تغطية التربة ببقايا المحاصيل، أو بمحاصيل تغطية.
3-اختيار الدورة الزراعية المناسبة، أي تعاقب التراكيب المحصولية /قمح أو شعير - بقوليات - راحة/، ولضمان نجاح هذا النظام لا يجوز حدوث أي خلل في هذه الأركان لأنها متداخلة متكاملة.
الآلية:
الدكتور "أحمد فارس أصفري" من مركز أكساد، خبير خصوبة التربة والنظم الزراعية في برنامج الزراعة الحافظة، وصف للموقع آلية الزراعة بلا فلاحة فقال:تتم عملية البذر المباشر في هذا النظام بواسطة آلات خاصة، كل منها تستعمل لنوعية معينة من التربة:
الأولى: وهي عبارة عن آلة لها قرصين يحدثان شق في التربة لعمق 4 – 6سم، وتسقط بينهما بذور الحبوب، كالقمح والشعير والعدس والحمص، وبالوقت نفسه توضع الأسمدة آلياً وراء الحبوب في الشق ذاته، ويتبع القرصان دولاب عريض يؤدي إلى تغطية هذا الشق المحدث، وهذه الآلة تستعمل في الحالات التي لا تكون فيها التربة غير مضغوطة جداً أو قاسية جداً.
الثانية: عبارة عن مخلب بدلاً من القرصين، حيث يحدث شقاً في الأرض المضغوطة والقاسية، وتوضع البذور عن طريق أنبوب خلف هذا المخلب، وداخل الشق، كما توضع الأسمدة بأنبوب آخر، وهناك دولاب خلف المخلب أيضاً وظيفته تغطية الشق المحدث، وكلا الآلتان تعملان بوجود التغطية من بقايا المحاصيل دون أية مشاكل، وتتم عملية البذر بكلا الآلتين المزودتين فوق الشفرات والمخلب بثلاث صناديق بلاستيك لكل منهما: صندوق للحبوب كالقمح والشعير والحمص والعدس، وآخر للحبوب الصغيرة مثل السمسم والكمون وحبة البركة وماشابه، أما الصندوق الثالث فهو للأسمدة، حيث تنتقل إلى التربة عن طريق أنابيب تمر إما داخل الأقراص أو خلف المخلب.
لمـــاذا؟
لكن لماذا هذا النظام من الزراعة الآن ؟ الدكتور "محمد جابر العبد الله" مدير الإرشاد الزراعي بوزارة الزراعة قال: إن الثورة التكنولوجية التي حدثت في المجالات كافة، ولا سيما في المكننة الزراعية،إضافة إلى الطلب المتزايد على الغذاء، أدى إلى القيام بالفلاحات الجائرة والمتكررة للتربة، ما أدى إلى تفكيك تركيبها الفيزيائي، وضعف شديد في مخزونها العضوي، ما أسفر عن خروج مساحات كبيرة من الأراضي تقدر بملايين الهكتارات على مستوى العالم من الاستثمار الزراعي، هذا الأمر يقول الدكتور "العبد الله": دعا العلماء والباحثين الزراعيين إلى التفكير بالحل البديل عن فلاحة الأرض، التي تعتبر السبب الأساسي في التعرية إضافة إلى الانجراف الريحي والمائي، فكانت العودة للطبيعة هي الحل، فكلنا يعرف – يضيف "العبد الله" -: إن المراعي والغابات الطبيعية تنمو بشكل متوازن، ومستديم دون أن تتعرض للتعرية، أو الانجراف، ومن هنا جاءت الفكرة في الاستغناء عن الفلاحة، مع الاستمرار في زراعة الأرض، ومن هنا أيضاً انبثق مفهوم الزراعة الحافظة أي"الزراعة بدون فلاحة".
أكساد:
الدكتور "عبد الوهاب بلوم" مدير برنامج الزراعة الحافظة رئيس قسم برنامج استعمالات المياه بمركز "أكساد" أكد لموقع" Esyria ": أن المركز العربي لدراسات المناطق الجافة والأراضي القاحلة "أكساد"، وبالتعاون مع الوكالة الألمانية للتعاون الفني /GTZ/ بدأ منذ عامين بالعمل في مشروع /الزراعة الحافظة في البلاد العربية/ لتحسين حياة المزارعين، واستدامة وتعظيم الإنتاج الزراعي لتأمين الاحتياجات الغذائية، وحماية وتنمية الموارد الطبيعية والتخفيف من تداعيات التغير المناخي، وتحسين الفوائد البيئية في المنطقة، وذلك بالتعاون مع المؤسسات الوطنية الزراعية والعلمية والمزارعين في الدول العربية المتعاونة.
في سورية يقول مدير الإرشاد الزراعي: تم البدء في نشر هذا المفهوم عام 2007- 2008 بالتعاون ما بين وزارة الزراعة "مديرية الإرشاد الزراعي" و"أكساد" و/GTZ/ حيث تم تنفيذ عدة تجارب بالتعاون مع/ 25 / مزارعاً في محافظات/ حمص -حلب – إدلب- السويداء - درعا / وعلى أربع محاصيل هي/ القمح والشعير والعدس والحمص/، وأضاف مدير الإرشاد الزراعي تم تقسيم حقل كل مزارع إلى حقلين، حقل شاهد يزرعه المزارع بالطريقة التقليدية أي بالفلاحة، وحقل تجربة بلا فلاحة، وتم تقديم الخدمات الزراعية نفسها لكل حقل وكانت النتيجة مبشرة.
نتائج مبشرة:
يؤكد السيد الدكتور "عبد الوهاب بلوم" من برنامج الزراعة الحافظة رئيس قسم برنامج استعمالات المياه بمركز "أكساد": أن تطبيق نظام الزراعة الحافظة والزراعة التقليدية خلال سنة واحدة فقط أظهر تبايناً كبيراً بين النظامين،" سواءً بالنسبة للقمح أو بالنسبة لمحصولي الحمص والعدس، وعلى سبيل المثال لا الحصر، تبين وحسب القراءات الأولية في أحد حقول القمح بمحافظة درعا أن متوسط عدد حبات سنبلة القمح في نظام الزراعة الحافظة ثلاثين حبة، أما في النظام التقليدي فلم يتجاوز عدد الحبات في السنبلة العشرين حبة، علماً أن كمية المياه المستخدمة في الزراعة الحافظة أقل بـ 40% من الكمية التي استخدمت في حقل الزراعة التقليدية.
أهــــداف:
وعن أهداف المشروع من وجهة نظر مركز" أكساد" قال الدكتور "بلوم": يهدف المشروع إلى تحسين معيشة الفلاحين والمزارعين من خلال تخفيض تكلفة الإنتاج بين 30 إلى 40% من الزراعة التقليدية، إضافة إلى تخفيض تداعيات التغير المناخي ومكافحة التصحر من خلال القضاء على ما نسبته 97% من الانجراف الريحي والمائي، وإعادة الدورة الطبيعية للكربون العضوي، والتقليل من انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون CO2 في الغلاف الجوي، حيث تشير الدراسات الحديثة إلى أن الزراعة التقليدية بفعل الحراثة تسهم بحوالي 23% من انبعاث CO2 في الهواء.
أما الهدف الثالث يقول الدكتور "بلوم":يتمثل في تعظيم استعمال الموارد الطبيعية ونشر الزراعة الحافظة في سورية والمنطقة العربية عامة.
فــــــــوائد:
ويلخص د. "بلوم" فوائد الزراعة الحافظة بالمقارنة مع الزراعة التقليدية بـ أولاً- تحسين معيشة المزارعين من خلال:
أ- تحسين واستدامة الإنتاج الزراعي.
ب- خفض كميات الأسمدة والمبيدات المستعملة.
ج- خفض استهلاك المحروقات بنسبة 60- 70%.
د- خفض ساعات العمل بنسبة 60%.
هـ- خفض ساعات استعمال الآلات بنسبة 65%.
و- يقل عدد الجرارات اللازم للعمل.
ثانياً- تعظيم واستدامة الموارد الطبيعية وحماية البيئة ومكافحة التصحر من خلال :
أ- تخفيف حدة تداعيات التغير المناخي على الإنتاج الزراعي والموارد.
ب- زيادة كفاءة حجز الكربون في التربة بنسبة 74%.
ج- زيادة المادة العضوية في التربة نحو 0,2- 0,1% سنوياً حتى الإشباع.
د- خفض التلوث البيئي.
هـ-إضافة نحو 1مم تربة في السنة.
و- تحسن بناء التربة ً.
ز- خفض ضياع العناصر الغذائية من التربة.
تحديات ومقترحات:
لكن هل من معوقات أو تحديات تواجه مشروع الزراعة الحافظة" الزراعة بلا فلاحة" وتحول دون تطبيقه على أرض الواقع ؟.
الخبراء الزراعيون يؤكدون أن نجاح المشروع، ونشر هذه التقانة مرتبط بتبني المزارعين للفكرة واقتناعهم بها، على أن تتم وفق برامج مشتركة بين الفلاحين والمزارعين من جهة وبين الإرشاد الزراعي، بهدف الإجماع على هذا النظام الزراعي ، أما التحدي الثاني فيتعلق بتفتت الملكيات الزراعية وهذا عامل تحد بالنسبة للمكننة الزراعية، يمكن تجاوزه في حال تم الاتفاق بين المزارعين على اعتماد صنف واحد من المحاصيل حسب الدورة الزراعية، لتسهيل عمل الآليات الزراعية.أما التحدي الثالث فيتعلق بعدم توفر الآليات الخاصة بالبذر المباشر بشكل كافي .
أخيراً:
من الجدير ذكره هنا أن التفكير بهذا النظام الزراعي بدأ في ثلاثينيات القرن الماضي في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث ظهرت في هذه الفترة زوبعة غبارية لم يشهد لها مثيل عبر التاريخ وعلى أثرها توفي حوالي /1700/ شخص، وتبين أن نتيجة الدراسات أن الزوبعة نتجت عن الحراثة المكثفة في المناطق الرعوية، ومن هنا بدأ تفكير العلماء بالنظام العملي الذي يخفف من أثر هذه الزوابع، فاهتدى العلماء إلى النظام البيئي الطبيعي فكانت الزراعة بلا فلاحة أو الزراعة الحافظة.